فخر الدين الرازي

103

تفسير الرازي

القول الثالث : قال سعيد بن جبير : لما جاؤوا على قميصه بدم كذب ، وما كان متخرقاً ، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وعن السدي أنه قال : إن يعقوب عليه السلام قال : إن هذا الذئب كان رحيماً ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه ؟ وقيل : إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله اللصوص ، فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله ؟ فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم . ثم قال يعقوب عليه السلام : * ( فصبر جميل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : منهم من قال : إنه مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف ، والتقدير : فصبر جميل أولى من الجزع ، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل : الذي أفعله صبر جميل . وقال قطرب : معناه : فصبري صبر جميل . وقال الفراء : فهو صبر جميل . المسألة الثانية : كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما بخرقة ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال طول الزمان وكثرة الأحزان : فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . وروي عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت : والله لئن حلفت لا تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني ، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده * ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) * فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل . المسألة الثالثة : عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : * ( فصبر جميل ) * فقال : " صبر لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر " ويدل عليه من القرآن قوله تعالى : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) * ( يوسف : 86 ) وقال مجاهد : فصبر جميل ، أي من غير جزع ، وقال الثوري : من الصبر أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ، ولا تزكي نفسك ، وههنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين ، ومكر الماكرين فغير واجب ، بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير ، وههنا أن إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك ؟ ولم لم يبالغ في التفتيش والبحث سعياً منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه ، فثبت أن الصبر في المقام مذموم . ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بأنه حي سليم لأنه قال له : * ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ) * ( يوسف : 6 ) والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالماً بأنه حي سليم فكان من الواجب أن يسعى في طلبه . وأيضاً إن يعقوب عليه السلام كان رجلاً عظيم القدر في نفسه ، وكان من بيت عظيم شريف ، وأهل العلم كانوا يعرفونه ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في أنه